حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

443

التمييز

وما هذه الأيّام إلّا فجائع وما العيش واللّذات إلّا مصائب « 1 » وروي أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم صعد المنبر ، فقال : أيّها النّاس : اتّقوا اللّه حقّ تقاته ، واسعوا إلى مرضاته ، وأيقنوا من الدّنيا بالفناء ، ومن الآخرة بالبقاء واعملوا لما بعد الموت فكأن الدّنيا لم تكن وكأن الآخرة لم تزل . أيّها النّاس : أنّ من في الدّنيا ضيف وما في يده عارية ، ألا وأنّ الدّنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر ، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر ، فرحم اللّه امرأ نظر لنفسه ومهد لرمسه ما دام رسنه مرخي وحبله على غاربه ملقى قبل أن ينفذ أجله وينقطع عمله ، ألا وأنّ الدّنيا قد ارتحلت مدبرة وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ألا أنّكم في يوم عمل ليس فيه حساب ويوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل ، ألا وإن اللّه يعطي الدّنيا من يحبّ ومن يبغض ، ولا يعطي الآخرة إلّا من يحبّ ، ألا وإنّ للدّنيا أبناء وللآخرة أبناء فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا . إنّ شرّ ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل ، ألا وإنّ المنايا قاطعات الآمال والليالي مدنيات الآجال » . وقال صاحب عوارف المعارف « 2 » : الانتباه أوّل دلالات الخير ، وأوفى الأحوال التيقظ والادّكار ، وأنفعها الاعتبار ، فإذا انتبه العبد من رقدة غفلته أدّاه ذلك الانتباه إلى التيقظ ، فإذا تيقّظ الزمه تيقظه لطلب طريق الآخرة / 219 ب / والرشد فيطلبه فإذا طلب عرف أنّه على غير سبيل الحقّ فيطلب ويرجع إلى باب توبته ثم يعطي بتوبته حال الأوّابين « 3 » . من تاب خوفا من العقاب فهو صاحب توبة ، ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب إنابة ، ومن تاب مراعاة للأمر لا خوفا ولا طمعا فهو صاحب أوبة ، [ فالتوبة صفة المؤمنين قال اللّه تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ « 4 » ، والإنابة صفة الأولياء والمقربين قال اللّه تعالى

--> ( 1 ) البيت كما جاء في العقد الفريد على النحو التالي : هي الدار ما الآمال إلّا فجائع * وما عليها ولا اللذات إلا مصائب . ( 2 ) هو الشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر بن عبد الله السهروردي ( ت 632 ه / 1234 م ) ، كشف الظنون ، 1177 - 1178 . ( 3 ) عوارف المعارف ، ص 477 - 479 . ( 4 ) سورة النور : آية ( 31 ) .